إن المشاركة السياسية للمرأة هي أبرز وأهم صور التحول الديمقراطي التي يقاس من خلاله التطور الإيجابي لهذا المجتمع أو ذاك؛ وذلك لصلتها الوثيقة بقضية التنمية الشاملة، تنمية المجتمع وليس النوع فقط. وعندما طالبت النساء ومعهن القوى الحية في المجتمعات بالحقوق الأساسية للمرأة، كان قد مضى وقت طويل على أخذ الرجل لهذه الحقوق، لذا فإن الحق بالمشاركة السياسية للمرأة يأتي بعد وقت لا بأس به من مسيرة التجربة الديمقراطية.

بالإضافة إلى هذا، فإن تعزيز الدور السياسي للمرأة يتطلب اعتماد مدخل التمكين الذي يتضمن مجموعة من العوامل والآليات الداعمة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وحقوقيًّا على المستويين الرسمي والأهلي. ويعتبر والتعليم -على وجه الخصوص- حجر الزاوية في عملية التمكين للنساء؛ لأنه يمكنهن من الاستجابة والاستفادة من الخيارات والفرص المتاحة لهن، ومن تحدي الأدوار التقليدية.

وإذا نظرنا إلى المجتمع اليمني نجد أن الدستور قد كفل حق المشاركة لجميع المواطنين دون تفرقة على أساس الجنس أو النوع، وبالرغم من ذلك لا يزال حجم المشاركة السياسية للمرأة في اليمن أضعف بكثير جدًّا من المشاركة السياسية للرجل. من هنا يمكن القول إن المرأة أقلية سياسية رغم أنها تشكل أكثر من نصف عدد السكان في المجتمع.

وبالنظر إلى التطور التاريخي لمشاركة المرأة اليمنية سياسيا،يدرك المتابع للتاريخ اليمني أن المرأة اليمنية قد احتلت مواقع هامة في قمة الهرم السياسي (مثل بلقيس ملكة سبأ). كما ساهمت نساء عديدات في العمل العام والاهتمام بالشأن السياسي، وعلى فترات وحقب تاريخ اليمن وبأشكال وصور متعددة ومختلفة.

وفي التاريخ الحديث والمعاصر عملت المرأة -وبشكل دؤوب- في انتزاع جزء من حقوقها خاصةً ما يتعلق منها بجانب المشاركة، فكان إنشاء اتحاد نساء اليمن والذي مثل اللبنة الأولى للمطالبة بالحقوق السياسية للمرأة. ولم يكتفِ بلعب هذا الدور، بل خاض هذا الاتحاد معارك عديدة لإقناع الرأي العام بفكرة وجود الاتحاد، وإقناع النساء اليمنيات بالانضمام إليه.

وقد كفل الدستور اليمني والقوانين المُستمَدة من روح الشريعة الإسلامية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين الكثير من الحقوق، وخصوصًا في الجوانب السياسية والعمل والتعليم وخلافه، مما مكن المرأة من المشاركة الفاعلة والإسهام في الحياة الاجتماعية وأبعادها المختلفة.

وتعد مساحة المشاركة التي أتيحت للمرأة في اليمن في غضون العقد الأول ثم عمر الوحدة من أهم المتغيرات الإيجابية التي شهدها المجتمع اليمني خصوصًا في الجانب السياسي والقانوني الذي كفل التعددية السياسية، ودعا إلى المشاركة الشعبية والعمل السياسي لكل فئات المجتمع. وتأسيسًا على ذلك يمكن القول إن المرأة اليمنية استطاعت الحصول على جزء من حقوقها بعد جدل طويل بين فريقين، أحدهما مؤيد والآخر معارض.

أما عن أهمية مشاركة المرأة اليمنية في الحياة السياسية، فيمكن القول أن المرأة هي نصف المجتمع ولها أدوار عديدة داخل هذا المجتمع ، سواءً على مستوى الأسرة أو على الصعيد الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. وفي إطار ذلك تؤكد غالبية الدراسات والأبحاث العلمية تَسَاوي المرأة مع الرجل في كافة الجوانب (غير البيولوجية). وبناءً على ذلك يمكن القول إن النساء والرجال توأمان وصنوان لا يفترقان، فإما أن يقوموا معًا وإما أن يسقطوا معًا، فر سبيل إلى الرقي ولا وسيلة نحو التقدم إلا بتكاتف النساء والرجال مجتمعين. وبالتالي فإن تنمية المرأة جزء لا يتجزأ من المجتمع، خاصةً تنامي وظهور العوامل التي يشهدها اليمن، وتؤدي إلى زيادة المطالبة بالمشاركة السياسية بوجه عام مثل انتشار التعليم، والاتجاه نحو زيادة الإنتاج وزيادة التحضر وغيرها من العوامل.

ولقد تبوأت المرأة اليمنية مكانةً مرموقةً ومنذ القدم جنبًا إلى جنب مع الرجل، فكانا سويًّا وعملا في بناء الحضارة اليمنية القديمة (سبأ وحِمْيَر)، ثم خاضت المرأة اليمنية مع الرجل كل المعارك التي خاضها في سبيل التحرر والتنمية والتقدم والنماء، ولم تتأخر لحظةً واحدة عن القيام بواجباتها تجاه مجتمعها مع الرجل في الريف والحضر، وفي أعمال الزراعة وتربية الأجيال ، وفي تحمل أعباء المعيشة والحياة.

الحقوق السياسية للمرأة في الدستور اليمني والاتفاقيات الدولية:

وكان للمبادئ الدستورية آثارها الواضحة في التشريعات القانونية والتي حرصت على تكريس حقوق المرأة وتقرير دورها ومساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية إلى جانب أخيها الرجل. وقد اعتمد دستور الجمهورية اليمنية منهج المساواة بين الجنسين في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأبرز بذلك كثيرًا من الملامح الليبرالية التي عبرت عن عملية التحول الديمقراطي التي ترافقت مع إعلان دولة الوحدة، وهنا مُنِحت المرأة حق الانتخابات كمرشحة وناخبة، وحق عضوية الأحزاب، والعمل في المنظمات الأهلية شأنها في ذلك شأن الرجل. ورغم بعض المآخذ على عدد من القوانين التي تتضمن بعض مجالات التمييز ضد المرأة، فإن الواقع المجتمعي عكس بروزًا فاعلاً للمرأة اليمنية في مجمل الانتخابات التي تمت في اليمن منذ عام 1990 وحتى عام 2002.

والمشاركة السياسية للمرأة اليمنية ترتبط بمرجعية قانونية محلية تتمثل في الدستور ومختلف القوانين النافذة، إضافةً إلى تمثل الدولة اليمنية للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وخاصةً حقوق المرآة، وهو ما سنوضحه فيما يلي:-

أولاً: المرجعية القانونية الوطنية (الدستور):

تضمن دستور الجمهورية اليمنية المُعدَّل الصادر في 29 سبتمبر 1994 جملة من الحقوق السياسية العامة التي استخدم مصطلح (المواطنة، المواطنين، المجتمع) في تعبيره عن شموليتها للجنسين دون تفريق بين ذكر وأنثى، واعتبر المواطنة هي أساس التعبير عن الطرف المتمتع بالحقوق والمؤدي للواجبات التي تضمنها الدستور.

ففيما يتعلق بتكوين الأحزاب السياسية في اليمن، فقد اشترطت المادة الثامنة من القانون رقم (66) بشأن الأحزاب والتنظيمات السياسية في فقرتها الرابعة على عدم قيام أي حزب أو تنظيم سياسي على أساس التمييز بين المواطنين بسبب الجنس… إلخ، كما حظرت المادة التاسعة في الفقرة (د) جواز أن يتضمن النظام الداخلي أو البرنامج السياسي لأي حزب شروطًا للعضوية قائمة على أساس التفرقة بسبب الجنس… إلخ.

كما أكدت المادة رقم (24) من الدستور على كفاءة الفرص جميع المواطنين سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وإصدار القانون بتحقيق ذلك، وفي هذا تضمين لحق المرأة على حصولها على ذات الفرص المتكافئة مع الرجل سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا.

كما أكدت المادة رقم (25) على أن يقوم المجتمع على أساس التضامن الاجتماعي القائم على العدل والحرية والمساواة. والتضامن الاجتماعي يشمل الشرائح والفئات والجنس دون تمييز حرية الرجل والمرأة، وعلى قدم المساواة في العدل والحرية. كما ضُمِّنت المادة رقم (41) لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتكفل الدولة حرية الفكر، والإعراب عن الرأي بالقول والكتابة والتصور.

وفيما يتعلق بحق المرأة في الاقتراع وحقها في الترشيح وإبداء الرأي نصت المادة رقم (42) بوضوح على حق المواطن في الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء.

وتعد النصوص الدستورية من أهم المكتسبات السياسية الحقوقية للمرأة اليمنية التي يتعين عليها أن تحافظ على هذا الحق من خلال أدائها له وممارستها إياه في الحياة العملية سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وأداء أدوارها التي هي ضرورة لتكامل بناء المجتمع الواحد الذي تشكل المرأة اليمنية غالبيته.

وقد أكدت المادة رقم (31) من الدستور على أن النساء شقائق الرجال، وعلى أن لهن من الحقوق وعليهن من الواجبات ما تكفله وتوجبه الشريعة، وذلك تأكيدًا أيضًا منه لما منحته الشريعة للمرأة من حقوق عمل التفكير الضيق على تضييقها وتهميشها خلافًا لجوهر الشريعة.

وأخيرًا نذكر بعض النصوص القانونية التي وردت في الدستور اليمني والتي تقر بالمساواة بين الرجل والمرأة دونما أية تفرقة بسبب الجنس أو الدين أو العادات أو الموروثات والمعتقدات، وهي توضح حرص المشرع اليمني على الاعتراف بحق المرأة الأصيل في الاشتراك في مختلف مناحي وجوانب الحياة العامة الرسمية وغير الرسمية، وعدم انفراد الرجل بهذه الأمور:

مادة (4) “الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء والانتخابات العامة، كما يزاولها بشكل غير مباشر عن طريق الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية وعن طريق المجالس المحلية.

مادة (5) “يقوم النظام السياسي للجمهورية على التعددية السياسية والحزبية.

مادة (6) “تؤكد الدولة العمل بميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وميثاق جامعة الدول العربية، وقواعد القانون الدولي المُعتَرف به بصورة عامة.

مادة (26) “الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، ويحافظ القانون على كيانها ويقوي أواصرها.

مادة (30) “تحمى الدولة الأمومة والطفولة وترعى النشء والشباب.

مادة (43) “للمواطن حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء.

مادة (58) “للمواطنين في عموم الجمهورية -بما لا يتعارض مع نصوص الدستور- الحق في تنظيم أنفسهم سياسيًّا ومهنيًّا ونقابيًّا، والحق في تكوين المنظمات العلمية والثقافية والاجتماعية، والاتحادات الوطنية بما يخدم أهداف الدستور، وتضمن الدولة هذا الحق، كما تتخذ جميع الوسائل الضرورية التي تمكِّن المواطنين من ممارسته، وتضمن كافة الحريات للمؤسسات والمنظمات السياسية والنقابية والثقافية والعلمية والاجتماعية.

وبالنسبة لقانون الانتخابات العامة، فلم يفرق قانون الانتخابات العامة رقم (13) لسنة 2001، ولا القانون رقم (27) لسنة 1996 وتعديلاته بين الرجل والمرأة، إذ أعطى لكل منهما الحق في الانتخاب والترشيح لعضوية مجلس النواب (المواد 3، 56 من القانون) كما أنه -وإدراكًا من المشرع لحجم العوائق الاجتماعية التي قد تحول دون تمتع المرأة بحقها الدستوري والقانوني في هذا الشأن- فقد ألزم في المادة (7) منه اللجنة العليا للانتخابات باتخاذ الإجراءات التي تشجع المرأة على ممارسة حقوقها الانتخابية، وتشكيل لجان نسائية تتولى تسجيل وقيد أسماء الناخبات في جداول الناخبين والتثبت من شخصياتهن.

أيضًا قام القانون رقم (27) لعام 1996 بتعريف لفظ “المواطن” في مادته الثالثة بأنه كل يمني ويمنية، كما عرَّف “الناخب” بأنه كل مواطن يتمتع بالحقوق الانتخابية وفقًا لأحكام هذا القانون. كما أكدت المادة الخامسة من القانون على أن تقوم اللجنة العليا باتخاذ الإجراءات التي تشجع المرأة على ممارسة حقوقها الانتخابية، وتشكيل لجان نسائية تتولى تسجيل أسماء الناخبات، وفتح باب الاقتراع لهن في كل المراكز الانتخابية المُحدَّدة.

ثانيًا: المرجعية القانونية الدولية:

وفقا للمنظور الحقوقي العالمي تشكل حقوق الإنسان للمرأة وللطفل جزءًا من حقوق الإنسان العالمية، ولذلك يجب مشاركة المرأة مشاركةً كاملةً وعلى قدم المساواة مع الرجل في الحياة السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية وطنيًّا وإقليميًّا ودوليًّا. ولضمان تلك المشاركة بفاعلية، كان لا بد من اتخاذ الإجراءات التنفيذية الهادفة إلى القضاء على جميع أشكال التمييز التي تعوق مشاركة المرأة وتيسير وصولها إلى دوائر صنع القرارات، وزيادة حجم مشاركتها.

وأهم مصادر المرجعية القانونية الدولية التي تعتمدها اليمن من أجل ضمان مشاركة المرأة في العمل السياسي الاتفاقيات الدولية التي وقَّعت وصادقت عليها الحكومة اليمنية وهي:

– الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

– العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

– العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

– اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1979 “الشرعية الدولية لحقوق المرأة”.

– اتفاقية حظر البغاء واستقلاله 1949.

– اتفاقية منظمة العمل الدولية حول التوظيف المتساوي، وإقرار مبدأ الأجر المماثل مقابل العمل ذي القيمة المماثلة 1951.

– اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة 1952.

– اتفاقية اليونسكو ضد التمييز في التعليم 1960.

– اتفاقية مؤتمر بكين 1995.

– اتفاقية حقوق الطفل 1997.

– اتفاقية جنسية المرأة المتزوجة وحقها بالاحتفاظ بجنسيتها الأصلية 1957.

– اتفاقية القبول الطوعي بالزواج والسن الدنيا للزواج وتسجيله 1962.