نواصل في هذا العدد تسليط الضوء على نساء تونسيات فذّات شاركن في معركة تحرير البلاد من الاستعمار لكن الذاكرة الجماعية تناستهن متنكرة للدور الجوهري الذي لعبنه طيلة عقود.. وقد اخترنا في هذا المقال التطرق الى مجموعة من المناضلات التونسيات ضحين بحياتهن من أجل القضية الوطنية ومنهن المناضلة مبروكة القاسمي أصيلة نفزة التي تجدون شهادتها كما نقلتها الأستاذة ليليا العبيدي في كتاب «جذور الحركة النسائية بتونس» والمناضلة أم السعد يحيى أصيلة المطوية والتي طمس التاريخ نضالها وهاهي عائلتها تسعى الى التذكير بالدور الذي لعبته فضلا عن المناضلة فاطمة المحرزي أصيلة برقو التي تعرضت لأبشع أنواع الاعتداءات من قبل جنود الاستعمار وذلك وفق ما جاء في كتاب «قاموس السير للمناضلات التونسيات 1881 ـ 1961 » لليليا العبيدي…

مبروكة القاسمي: «حلقت شعري واتّشحت بالسواد…»

«تزوجت بنفزة سنة 1925… كان حفل الزواج فخما سارت فيه السيارات الحديثة… كان عمّي حريصا على أن يتم الزواج بهذه الأبهة.
…في سنة 1943، فترة الحرب العالمية، خرجنا من منازلنا واعتصمنا بالجبال. لقد كان القتال بين الألمان والانقليز على أشدّه. وعندما نزل زوجي للقرية بعد ثلاثة أشهر وجد البلد خرابا منتشرا.. غضب زوجي وأصابه ذهول وارتفعت درجة حرارته، وبقي على هذه الحال سبعة أيام ثمّ وافاه الأجل المحتوم.
ذات يوم زارني محمود الكافي مع جماعة من باجة وأخبروني بقدوم بورقيبة الى باجة وعزمه على الاتصال بكلّ الضواحي المجاورة، فرحّبت بقدومه إلاّ أنّ «الخليفة» اتصل بي وحذّرني من الالتقاء به وتقديم الإعانات المادية له، متعلّلا بأنّ الأموال التي في حوزتي هي أموال يتامى، فأجبته قائلة: «أنا ليس لي شيء أخاف عليه الزوال فلست خليفة ليعزلوني أو شيخ تراب ليفتكوا مني امتيازاتي فإن ربحت المعركة ربح الناس جميعا، وأن خسرت، خسرنا كلّنا». كان الاستعداد حثيثا. تولّى ابني جلب الكراسي، وكذلك أولاد أخي محمد، وقد كان أهالي نفزة خائفين من هذا الاجتماع.
كان هذا هو اللقاء الأول، طبخنا الطعام، وذبحنا الذبائح وقمنا بواجب الضيافة وعندما جاء بورقيبة اجتمع بالناس في المتجر، وكان يصحبه المنجي سليم، والبلهوان والحبيب المنكبي وكل الجماعة. ولقد سأل بورقيبة عني وشكرني وطلب مني الثبات على المبدإ.
… يوم مظاهرة دار القايد، كنت أعتقد أنّ ولدي قد قتل في مظاهرة باجة، لكنّني علمت بعد ذلك أنّه سجن، وعندما خرجت في مظاهرة دار القايد وجدته ورفاقه ملقى على أكوام من التبن في إسطبل. ولم يرجعوه الى نفزة إلاّ بعد خمسة عشر يوما. كان في حالة سيئة جدّا. فلقد عذّبوه بواسطة التيار الكهربائي، ولم يتناول الطعام لمدّة أيام ولا شرب قطرة ماء واحدة، فبادر أخوه بجلب طبيب ليفحصه ويشرف على علاجه.
عندما جاؤوا للتفتيش عثروا على منجل فقالوا: «إن المرأة تملك السلاح»! وعندما حكم على ابني جبت القرية صارخة في الناس «لقد حكم على ولدي بالإعدام فأين أنتم، ألاّ تحركون ساكنا؟!» قالوا «ما العمل؟! وإذا سجنا من يرعى أولادنا؟» قلت لهم: «ها أنذا أتكفل بهم، ما دمت حيّة ولم أسجن».
لقد أعطيت «سعدا» و«سالما» منشارين ومقصا لقطع أسلاك الهاتف في محطة القطار. ممّا جعل الجندرمة يأتون لبحثي قائلين: من فعل هذا؟» قلت: «من سيقوم بذلك والأولاد في السجن، أنا قمت بذلك؟!»..
وكانت لي علاقة مع «الفلاقة» الذين التحقوا بجبل «برقو»، وهم من جنود الباي. ولقد مات قائدهم «سالم» المسكين ولم يبق منهم الا ثمانية أنفار. لقد وزّعوا صورهم للبحث عنهم. وقد اختبؤوا في بيتي، وكان من بينهم زوج ابنتي. لقد أصبحوا في ما بعد من ثوار محجوب بن علي الذي كان يجلب المرضى خفية للدار.. فقرّر أخو زوجي عدم المجيء إلى منزلنا إذ أصبح المكان خطرا بالنسبة اليه وقد قال لي أنت امرأة ترملت فاخشوشنت، إنّي أراها تقتل أولاد أخي. كان يبكي وينوح «إنهم أساس البيت، ماذا ستفعلين الآن وهم في السجن؟» فأجبته أنا «مسترجلة» أحمل صفات الرجولة من زمان.
عوّدني زوجي على عدم التذلل أو ليس لي الحق؟! انا صلبة صحيح ولكني أحبّ الناس.
عند الاجتماعات كان «الفلاقة» يأتون دائما للغداء والعشاء عندي، ويأتي كلّ اعضاء الدائرة معهم. وعندما يحلّ مسؤول كبير من تونس فإنّهم يعقدون اجتماعا خاصّا في الليل سواء في البيت أو في الدكان. وكنت أحضر معهم فأنا مشغولة بالطبخ. لكنّني كنت أسمعهم يتحادثون «تمسكوا بالمبدإ، إنّه هكذا.. إنّ بورقيبة.. إنّك على علم»..
في تلك الفترة لم يكن في حديثهم مكان للمرأة قط، ولم يتحدّثوا عنها في اجتماعاتهم.. كان الرجال فقط هم الذين تعطى لهم البطاقات ويدلون بأصواتهم في الانتخابات ولا وجود للنساء. فلم لا يعترفون بقدراتهنّ؟ كانت مهمتهن تنحصر في الطبخ والزغردة بكل حرارة.. في انتظار الاستقلال.
• مقتطفات من شهادة المناضلة مبروكة القاسمي كما جاءت في كتاب «جذور الحركة النسائية بتونس» لليليا العبيدي.